لماذا تتفوق البنات في التعليم؟

آخر تحديث: الثلاثاء، 23 يوليو 2019، 14:25 GMT

كتب / مهند عبد الحميد 

زكية خالد الفتاة القلقيلية، تفوز بمجموع يضعها في عداد المتفوقين، بل إن من يعرفها سيضعها من أوائل المتفوقين في امتحان الإنجاز هذا العام. 
بالنسبة لي اعتبر زكية الفتاة الرائعة المقدامة والشجاعة من أوائل المتفوقين؛ لأنها امتلكت إرادة قوية جدا، وكانت ملهمة في صراع الإرادات. 
نجحت في هزم مرض السرطان في جولات كر وفر على امتداد سنتين ونيف. 
زكية أزالت أكبر عقبة من أمامها ومضت في التحصيل العلمي وصولا إلى أكثر من فوز، الفوز على السرطان والفوز في الإنجاز، والفوز في التواصل مع التعليم الجامعي. 
أنا وأنت وأنتم نهنئ زكية. بعد هذه المقدمة أعود إلى ظاهرة تفوق البنات في كل مراحل التعليم. 
بلغت نسبة البنات من بين المتفوقين الأوائل في كل الفروع 78.26 % نسبة النجاح في كل الفروع كانت 69%. 
نسبة المتقدمين للفرع الأدبي 63% ونسبة المتقدمين للفرع العلمي 26% ونسبة المتقدمين للفروع الأخرى 10% ونسبة 1% أعشار موزعة على كل الفروع. 
الأوائل في الفرع الأدبي 15 إناث ولا شيء ذكور الأوائل في الفرع العلمي 16 إناث و8 ذكور. 
فروع أخرى 5 إناث و1 ذكور  الحصيلة الإجمالية للأوائل من أصل 46 متفوقا ومتفوقة : 36 إناث و10 ذكور بنسبة 78.26% لصالح البنات.
أصبحت هذه النتيجة ظاهرة كونها تتكرر كل عام ويتعزز تفوق الإناث على الذكور بنسب أعلى فأعلى، كما تنتشر هذه الظاهرة على صعيد عربي وكوني. وهذا يستدعي التوقف عندها والتعرف إلى أسبابها. 
تتفوق البنات على الأولاد كَمَّا، حيث يبلغ عدد الملتحقات الإناث بالجامعات والمعاهد 128.4 ألف ملتحقة، بينما يبلغ عدد الملتحقين الذكور 82.9 ألف ملتحق، حسب الجهاز المركزي للإحصاء 2018.  
وتتفوق الإناث نوعا في كل المجالات بما في ذلك الرياضيات والعلوم. ويلاحظ للوهلة الأولى أن  تفوق البنات على الذكور يتناقض مع المكانة الدونية للبنات في الثقافة السائدة مجتمعيا، وهذا يطرح سؤالا، كيف ينبثق التفوق من داخل الدونية؟ والأهم هل هذا سيؤدي إلى تغيير وتعديل يفضي إلى قلب الثقافة السائدة وإزالة كل أشكال التمييز السلبي الظالم الممارس بحق النساء – نصف المجتمع -؟ 
إذا توقفنا عند نسبة الأفراد المشاركين في القوى العاملة الفلسطينية سنجد نسبة مشاركة 19.2% إناث مقابل مشاركة 71.6% ذكور. 
ومعدل البطالة لدى الإناث 48.2% مقابل 23.2% ذكور. ونسبة النساء في الهيئات المحلية 21% مقابل 78.8% ذكور. 
ونسبة النساء في القضاء 18.3% مقابل 81.7% رجال. وثمة انخفاض كبير في نسبة وجود النساء في مراكز اتخاذ القرار على اختلاف أنواعه وفي مقدمته المركز السياسي.
النسب المبينة والمنقولة من تقرير الجهاز المركزي للإحصاء 2018، تكشف التناقض بين التفوق في التحصيل العلمي وبين استخداماته في تطوير المجالات المختلفة، وبين العدالة والمساواة الواجبة. 
ظاهرة تفوق الإناث لا يمكن اختزالها في عامل وسبب واحد، فهذه ظاهرة تتداخل فيها عوامل ثقافية واجتماعية واقتصادية، وتحتاج إلى دراسات وأبحاث عميقة وموضوعية، لمعرفة الأسباب والدلالات. 
بعض الباحثين والمعلمين المجربين والمختصين، يعزون تفوق الإناث إلى خصائص تتمتع بها الأناث بأكثر ما يتمتع بها الذكور، كالانضباط والانتباه والتركيز والتنظيم والدأب والمثابرة.
كذلك فإن الإناث أكثر التزاما بالقوانين والأنظمة والتعلميات وبالواجبات المدرسية والجامعية وأكثر جلدا على تحقيقها. 
على سبيل المثال الفتيات يغلبن الواجبات الدراسية على الترفيه الذي يجذب الفتيان كمشاهدة المباريات والمسلسلات والخروج مع الأصدقاء. وللفتيات قدرة أكبر على العمل في بيئة مملة ومحبطة، مقابل الفتيان الذين يتأثرون بالإحباط أكثر.  
غير أن هذه الخصائص لا تنفصل عن المحددات السلوكية التي يضعها المجتمع لذكوره وإناثه، والذي يمارس ضغوطه الأشد على الإناث، لِيَكُن الأكثر التزاما بها.  
ولا تنفصل أيضا عن التربية التي يتلقاها الذكور والإناث من المجتمع الذي يقولب كلا منهما تبعا لقواعد أكثر صرامة وتشددا مع الإناث، وأكثر مرونة وانحيازا للذكور. 
وتنعكس تلك المحددات على تعاطي الذكور والإناث مع التعلم والتعليم، لتكون النتيجة في المحصلة الأخيرة لمصلحة الإناث كمفارقة إيجابية متعارضة، مع سياق التمييز السلبي. 
ثمة سبب أكثر أهمية في تفوق الإناث. ففي المجتمعات الذكورية التي تميز ضد الإناث، وتسطو على حقوقهن المشروعة، يولد نوع من التحدي الأنثوي الواعي واللا واعي  للخروج من القبضة. 
التفوق في التعليم هنا يكون وسيلة للخروج إلى العمل وتحول الأنثى إلى كائن منتج، وإلى شريك على قدم المساواة، والأهم للانتقال من المكانة الدونية إلى المكانة الطبيعية المتكافئة مع الآخر التي تتجاوز عملية التمييز. 
فلا سبيل للأكثرية الساحقة من الإناث للتغلب على ثقافة التمييز وتقسيم العمل الظالم، غير التعليم والتفوق والحصول على إجازة غير قابلة للنقض الذكوري.  
كانت المرحلة الأولى في طريق تحرر نصف المجتمع، هي انخراط الإناث في التعليم الذي أصبح متساويا مع الذكور من حيث العدد، ويزيد أحيانا. 
وقد أدى هذا التحول الكبير إلى تحرك النساء في الحيز العام الذي كان الخطاب الديني المتزمت وثقافة المجتمع يقيدان وجود النساء فيه، ويقصران الحيز الذي تتحرك فيه الإناث على البيت، ضمن تقسيم العمل الذي يحيل المرأة إلى الواجبات المنزلية وتربية الأطفال وإمتاع الزوج. وبمعنى آخر كان تعليم الإناث المقبول والمسلم به لا يخرج عن مهمة تحسين الأداء الأنثوي تحت سقف تلك المهمات. 
تفوق الإناث في التعليم استمر سنة بعد سنة، كرد على استمرار علاقات السيطرة والتمييز المدعومة بمنظومة قوانين وبثقافة رجعية ومحافظة، وهو مرشح للاستمرار والتصاعد لطالما بقيت تلك العلاقات. 
التفوق يبدو كأنه الشكل الأنثوي المبدع لمقاومة التمييز بوعي ودون وعي. وكان يمكن لهذه العملية أن تتحول إلى فعل منظم بوجود تنظيمات سياسية وحركات نسوية تطرح قضية التحرر الاجتماعي من أجل المساواة والعدالة وتدمجهما بالتحرر الوطني الذي سيكون قابلاً للتحقق بالدمج مع التحرر الاجتماعي بما لا يقاس، وبالخلاص من الاحتلال الكولونيالي. 
لكن للأسف لا وجود لقضية التحرر الاجتماعي على أجندة تلك القوى، وهذا يفسر غلبة العامل  الموضوعي على العامل الذاتي، وضعف الثمار المتأتية من تفوق الإناث المدهش. 
وللأسف فإن ظاهرة تفوق الإناث لا تحظى بالدراسة.