“سيداو”… لغة الحقوق ولغة السيادة

“سيداو”… لغة الحقوق ولغة السيادة

كتبت / رفاه عنبتاوي

تناقلت وسائل الإعلام خلال الشهر الماضي، مجموعة من المقالات والتصريحات والبيانات، جاءت على شكل حملة منظّمة، لمهاجمة الجمعيّات النسويّة والحقوقيّة الداعمة لترجمة توقيع السلطة الفلسطينيّة على “اتّفاقيّة سيداو” على أرض الواقع، من خلال مراجعة القوانين الموجودة، ووضع قوانين جديدة تضع الاتّفاقيّة موضع التطبيق. 

وللتوضيح؛ فإنّ فلسطين صادقت على “اتّفاقيّة سيداو” الدوليّة لمنع جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة” عام 2014، ضمن جهودها للانضمام إلى أكبر عدد من المؤسّسات والمعاهدات الدوليّة؛ بهدف ترسيخ الاعتراف العالميّ بفلسطين دولة، وتأكيد احترام فلسطين لمعاهدات حقوق الإنسان والاتّفاقيّات الدوليّة عامّة، وفي ما يخصّ النساء تحديدًا.

“اتّفاقيّة سيداو” ثمرة نضال طويل للنساء في العالم، وتهدف إلى إنهاء التمييز والظلم الواقع على المرأة، بغضّ النظر عن المسبّب له، سواء آلسياسات والقوانين كانت أم العادات والتقاليد والأنماط الاجتماعيّة الّتي تؤدّي إلى ظلم للنساء، لا لسبب إلّا لأنّهنّ نساء؛ إذ تنصّ الاتّفاقيّة في بنودها على حصول المرأة على كامل المساواة بحقوق الإنسان.

وتبرز هنا الازدواجيّة في معايير هذه الهجمة الرافضة والمحتجّة على “اتّفاقيّة سيداو”؛ فقد انضمّت السلطة الفلسطينيّة إلى أكثر من 300 مؤسّسة واتّفاقيّة دوليّة، ولم نسمع من مجالس العشائر ولا خطباء المنابر كلمة اعتراض، تشبه ما شهدناه من تباكٍ وعويل وقلق على القيم والأخلاق والعادات، في قضيّة الانضمام إلى اتّفاقيّة تخصّ حقوق المرأة، وتحديدًا عندما ارتفعت الأصوات المطالبة بتطبيق الاتّفاقيّة على أرض الواقع، علمًا أنّ الكثير من الاتّفاقيّات الّتي وقّعتها السلطة الفلسطينيّة سابقًا، يشمل غالبيّة الحقوق الّتي نصّت عليها “اتّفاقيّة سيداو”.

خطاب المؤامرة مرّة أخرى

إنّ الخطابات الّتي ارتفعت من بعض المنابر، وما تناقلته وسائل إعلام من تجييش وتحريض، تجاوَزَ النقد ومعارضة بنود الاتّفاقيّة، ليصل حدّ الافتراء عليها، وتقويلها ما لا تقول، واعتبارها “مؤامرة لتدمير ثقافة المجتمع، وتحريض النساء على التمرّد”، وهو ما يُثير التساؤلات عن طبيعة هذه الحملة المنظّمة ودوافعها، الّتي تهاجم الاتّفاقيّة والجمعيّات النسويّة بمسمّيات هجينة حسبنا دورها ووجودها تقلّص كثيرًا في مجتمعنا، كالحديث باسم “العشائر” أو “المشيخات”. نفس العشائر الّتي صمتت أمام جرائم قتل النساء المستفحلة في مجتمعنا، كما تصمت على انتهاكات الاحتلال لحياة أهل فلسطين نساءً ورجالًا وكرامتهم.

ومن نافلة القول أنّ رفْضنا هذه الهجمة، يشمل أيضًا رفض مزايداتها وتهديداتها للجمعيّات النسويّة والفاعلات فيها، رغم أنّ الطرف الموقّع رسميًّا هو السلطة الفلسطينيّة؛ وهو ما يثير الشكوك حول الأجندات المخفيّة لهذه التهديدات ومَنْ يقف خلفها. واضح أنّ إثارة القضيّة استُغلّت لضرب العمل الأهليّ بعامّة، والمؤسّسات النسويّة والحقوقيّة بشكل خاصّ، ودعم أجندات التخلّف الاجتماعيّ، تلك الّتي تمسّ جوهر نضالنا الّذي يهدف برمّته إلى جعل احترام حقوق الإنسان وكرامته قيمة عليا في المجتمع الفلسطينيّ.

ومن المؤكّد أنّ الالتزام بـ “الاتّفاقيّة العالميّة لحقوق الإنسان” “بمجملها”؛ يهدف إلى خلق إجماع عالميّ يتجاوز “الخصوصيّات الثقافيّة”، وكلّ العقبات الّتي تحرم المهمَّشين والمستضعفين من العدالة الاجتماعيّة وحقوق الإنسان. ثمّ إنّ استعمال ذريعة “التمويل الأجنبيّ”، باعتبارها دليلًا على “التدخّل الأجنبيّ أو الغربيّ” لفرض ثقافته على مجتمعنا، هو ديماغوجيّة فارغة أمام واقع يكاد يخلو من المؤسّسات المموّلة محلّيًّا دون اللجوء إلى مصادر التمويل العربيّة أو الإسلاميّة أو الدوليّة على أنواعها. من المؤسف أنّ علينا التذكير مرّة أخرى، بأنّ المؤسّسات النسويّة والفاعلات فيها هي جزء لا يتجزّأ من المجتمع الفلسطينيّ؛ لها ما له وعليها ما عليه، وهي حريصة على ملاءمة برامجها للواقع السياسيّ الاجتماعيّ المركّب الّذي تنشط فيه؛ لتلبية حاجات النساء الفلسطينيّات، ومعالجة قضاياهنّ بالشراكة التامّة معهنّ.

رفع الظلم الداخليّ

نضالنا من أجل احترام حقوق الإنسان الفلسطينيّ كافّة، بما فيها حقّ تقرير المصير والتحرّر من الاحتلال، يحتّم علينا الاستمرار بربط النضال الوطنيّ بالنضال المجتمعيّ، الهادف إلى تحرّر المرأة من جميع أشكال التسلّط والتمييز الّتي تعانيها النساء. أمّا إيماننا بحقّنا بالحرّيّة من الاحتلال وتقرير المصير، فلا يمكن أن يتماشى وقبولَ الاضطهاد والتمييز والعنصريّة ضدّ النساء، أو بين أفراد المجتمع الطامح لهذه الحرّيّة، وهي قيم لا يمكن أن نضحّي بها أو نؤجّل الحديث عنها؛ فلا تَحرُّر للشعوب بلا تحرُّر المستضعَفات والمستضعَفين فيها من كلّ أشكال الظلم والقهر. 

هذه الهجمة الشرسة على الاتّفاقيّة والعمل النسويّ، مؤشّر إلى ضرورة اتّخاذ السلطة الفلسطينيّة خطوات عمليّة، تؤكّد استمرار تبنّي “اتّفاقيّة سيداو”، ووضع قوانين جديدة لضمان المساواة بجميع الحقوق، ليشمل ذلك مراجعة القوانين القائمة وملاءمتها لمبادئ الاتّفاقيّة، وإلغاء السياسات الظالمة، ومكافحة العادات الّتي تتيح الظلم وانتهاك الحقوق. على السلطة الفلسطينيّة التحرّك بشكل جدّيّ يتجاوز الإعلانات والتصريحات، نحو سنّ قوانين تكفل الحقّ في التنظيم وحرّيّة التعبير، لجميع الناشطين والفاعلين في المجتمع المدنيّ.

متطلّبات المرحلة

إنّ الجمعيّات الحقوقيّة والنسويّة الفلسطينيّة تعمل منذ سنوات طويلة، من أجل تطبيق الاتّفاقيّة وإنهاء التمييز ضدّ الفلسطينيّات في كلّ فلسطين التاريخيّة. يتطلّب استمرار هذا النشاط موقفًا واضحًا، يَعتبر عملنا ضمن الجهود الشرعيّة لوضع النساء الفلسطينيّات على قدم المساواة. لقد أصبح من الملحّ في هذه المرحلة صياغة المشروع الوطنيّ الإنسانيّ على قاعدة القيم العالميّة، وعلى رأسها احترام حقوق الإنسان وكرامته؛ يأتي ذلك بتبنّي خطّة عمل مشتركة، تنتقل بالعمل الحقوقيّ والنسويّ من مرحلة الدفاع عن حقّها في الوجود، إلى مرحلة إحداث التغيير المجتمعيّ، وتحقيق إنجازات تنتقل بنسائنا ومجتمعنا نحو مستقبل أفضل.

عملنا في “كيان – تنظيم نسويّ” في هذا الصدد على الساحة الدوليّة، ويشمل تقديم التقارير البديلة للجنة “سيداو”، ينطلق من اعتبار هذه الساحة مهمّة ومتمّمة لعملنا الرئيسيّ في مجتمعنا المحلّيّ؛ فنحن نعمل، بالتنسيق والتعاون مع المنظّمات الحقوقيّة والنسويّة في الضفّة الغربيّة وغزّة، نعمل على توحيد الجهود وتعزيز الربط بين العمل الدوليّ والضغط من أجل تنفيذ الاتّفاقيّات الدوليّة، وبين العمل الميدانيّ مع الناس، من أجل مواجهة جميع التحدّيات الّتي تفرض واقعًا منافيًا لحقوق المرأة وحقوق الإنسان الفلسطينيّ بعامّة، أيًّا كان مصدرها، سواء الاحتلال ومؤسّساته أو السلطة ومؤسّساتها، أو المجتمع بممارساته وأعرافه الذكوريّة الّتي تُرسّخ دونيّة المرأة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *