عزة قاسم ..ثنائية الفِكر والنضال

عزة قاسم ..ثنائية الفِكر والنضال

نقلا عن نوى

نسوية من طراز مختلف، تمارس قناعاتها بكل جرأة، متصالحة مع ذاتها متخاصمة مع كل المفاهيم المغلوطة، تؤمن بحرية النساء ولا ترى المشكلة في الدين، عانت كما غيرها من ظلم الاحتلال وناضلت ضده، حملت فِكرًا نسويًا خالصًا، وكان لها استراتيجية خاصة حين غافلها المرض.

إنها المناضلة عزة قاسم، وُلدت وعاشت في مدينة بيت حانون شمال قطاع غزة في ستينيات القرن الماضي، فتحت عيناها على وطن سليب وأم تجاهد لتخفي بكاءً طالما غلبها من أجل تربية أبنائها الذين حرمهم الاحتلال والدهم.

حين بلغت 18 من العمر عام 1980؛ غادرت عزة قطاع غزة للدراسة في جامعة بيرزيت في الضفة الغربية، هناك تعرّفت على أفكار جديدة، وأصبح لديها إجابات على الكثير من الأسئلة الفلسفية، وبدأت في تشكيل فِكرها ووعيها السياسي، والنضال ضد الاحتلال والمغالطات.

قاسم: الدراسة في بيرزيت لم تكن محفوفة بالورود؛ فالاحتلال لطالما داهم الجامعة وأغلقها لفترات طويلة ولاحق النشطاء السياسيين

لكن الدراسة في بيرزيت لم تكن محفوفة بالورود؛ فالاحتلال لطالما داهم الجامعة وأغلقها لفترات طويلة ولاحق النشطاء السياسيين فيها،تقول قاسم.

ليس من السهل النبش في ذاكرة سيدة عانت الكثير في حياتها، لكن هذه البدايات هي التي بلورت شخصيتها، تذكر قاسم إن تلك الفترة شهدت بدايات العمل النقابي الفلسطيني وتشكيل الأطر الطلابية للأحزاب السياسية وكلها كانت ملاحقة من الاحتلال، وهي كانت من المؤسسين.

لاحقًا تشكّلت الأطر النسوية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي كانت ممثلة قطاع غزة في كل هذه القطاعات، لذا كانت ملاحقة دومًا من الاحتلال.

تقول: “لا يمكن لأي وعي أن يتشكل في بلد محتل دون أن يكون لظلم الاحتلال دور فيه، كيف لا وقد كبرت وأنا أرى مشاهد الظلم واقتحام المنازل وترويع السكان، وعلمت لاحقًا أن الاحتلال كان سببًا في حرماني من أبي، كل هذا خلق بداخلي رفضًا لكل أشكال الظلم”.

تسرح بذاكرتها وهي تسترجع الأوقات التي كانت تنفرد فيها والدتها لتطلق العنان لعينيها للبكاء، لتظّل ماثلة أمام أبنائها بمظهر القوة طوال الوقت لحمايتهم، في وقت كانت وحدها تتحمل مسؤولية تربيتهم.

قاسم: نضج وعيي وأنا أشاهد نساء قويات حولي، جميعهن قويات، أمي كانت معيلتنا الوحيدة، وجدتي كانت نموذجًا في القوة

تكمل: “نضج وعيي وأنا أشاهد نساء قويات حولي، جميعهن قويات، أمي كانت معيلتنا الوحيدة، وجدتي كانت نموذجًا في القوة، هذه التوليفة من النساء جعلتني نموذج مختلف، وهذه التفاصيل شكّلت شخصيتي”.

ولفت انتباه عزة؛ ازدواجية تعامل المجتمع مع المرأة: “كنت أرى كيف يعتمد الرجل على المرأة في معايير الأدوار، لكن في شكل العلاقة كان يبدو أن الرجل هو من يقرر، رأيت الازدواجية في المعايير وتساءلت كثيرًا، لماذا؟”.

ترى قاسم أن الوعي في المجتمع الفلسطيني مختلف عن أي مكان آخر، وهذا يعني أن الاحتياجات مختلفة، وتؤمن أن التعميم ظلم، فحقوق النساء في فلسطين تختلف عن أي مكان آخر، وكل منطقة لها احتياجات محددة، فالمرأة أحيانًا تكون مضطَهدة ومضطهِدة، ظالمة ومظلومة.

قاسم: خصوصية المجتمع الفلسطيني وقضاياه تنطلق من كونه تحت الاحتلال

تؤمن قاسم أن خصوصية المجتمع الفلسطيني وقضاياه تنطلق من كونه تحت الاحتلال، الذي ترى أنه المسؤول عن الظلم والتمييز ضد النساء، فهو يدرك خطورة حرية المرأة ووعيها على وجوده.

لكن تأسف أن الاحتلال كان أكثر وعيًا بضرورة إبقاء المرأة الفلسطينية في حالة لا وعي وظلم وتحميل ذلك للعادات والتقاليد والدين والأعراف، وهذا خلق صدامًا مع منظومة الفكر الإسلامي، لكن هذا يجافي الحقيقة تمامًا.

توضح:” صحيح هناك ظلم وتعنيف للمرأة، لكن ليس بسبب الدين لم نستطع الحدّ من الفكر الذكوري، لكن بسبب حالة الاشتباك الدائمة مع الاحتلال، فهذا خلق تغييبً للنظام الاجتماعي لصالح النظام الوطني”.

تأخذ قاسم على الحركة الوطنية تعاملها بإجحاف مع المرأة، وهذا اتّضح في الانتخابات التشريعية الأولى التي لم تنجح فيها سوى خمس نساء من أصل 88 عضوًا، ما أفرز مجلسًا تشريعيًا يسنّ قوانين تمييزية.

لكن أكثر ما أثّر على الحركة النسوية-وفقًا لقاسم- انتقالها من حركة جماهيرية إلى مؤسسات وظيفية، والفرق كبير بين النضال النسوي والوظيفة في مؤسسة نسوية.

رغم كم الصعوبات التي واجهتها في حياتها، لكن أصعب المواقف كان عام 2006 حين احتل جنود الاحتلال بيتها في بيت حانون، وأجبروها على الخروج وترك أطفالها وحدهم تحت سطوتهم.

تقول :”في هذا الوقت أدركت أن أبنائي ميتين، تمنيت لو يطلقوا النار عليهم بسرعة كي لا يتعذبوا وهم يشاهدوا موتهم، كنت في حالة ذهول وأنا أتخيّل ما يجري، لا أعرف كيف استطعت الصمود 24 ساعة على هذا الحال، قلت حينها في لقاء تلفزيوني من يسمع ليس كم يعيش”.

لم تتخيل قبل هذا الموقف أن يصل حجم الشر إلى هذا الحد، لذا لا يمكنها سماع كلمة تعايش مع الاحتلال بأي حال، هي في هذا تشبه غزة تمامًا كما تؤكد، التعرض للظلم، الصمود، المحبة، وحتى السباحة ضد التيار.

قاسم: ليس المهم كم تصل نساء إلى المجلس التشريعي، بل الأهم هو من يحمل فكرًا نسويًا

لكن من وجهة نظرها ليس المهم كم تصل نساء إلى المجلس التشريعي، بل الأهم هو من يحمل فكرًا نسويًا، وهي أيضًا تأخذ على بعض المؤسسات النسوية أنها تفصل بين حقوق النساء والمجتمع والفرد، فلا جدوى من وجود امرأة حرة في مجتمع لا يؤمن بذلك، التغيير يجب أن يكون شاملًا، والعمل على المجتمع وليس على المرأة.

طريقتان فقط للنهوض بواقع النساء، الأول تغيير القوانين والثاني رفع الوعي المجتمعي، لكن الأهم حسب قاسم :”أن نفكر بالأداة المناسبة لتغيير الوعي، ففي الوقت الذي يكون هم المواطن الأساسي توفير لقمة العيش لا يمكنه التفكير في التغيير”.

قاومت قاسم الكثير من التابوهات الاجتماعية مبكرًا بسبب الحجاب والانفصال وقرار الاحتفاظ بأطفالها وتربيتهم، حتى في مؤسسات المجتمع المدني قررت الانسحاب لإحساسها باللا جدوى في الأدوات المستخدمة، لكن نظرة إلى صبايا غزة تعيد الأمل في نفسها أن القادم أفضل فلا تملّ محاولة التغيير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *